الشيخ محمد رشيد رضا

407

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وروح ) يضله عن سبيل اللّه الموصلة إلى سعادة الدنيا والآخرة ، ويتعسف به في سبل الشيطان المردية المهلكة قال تعالى لخليفته داود عليه السّلام ( وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) وقال تعالى في أول ما أوحاه إلى كليمه موسى عليه السّلام بعد ذكر الساعة ( فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى ) وقال جل جلاله لخاتم أنبيائه عليه صلواته وسلامه ( أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ؟ ) والآيات في ذم الهوى والنهي عنه كثيرة وحسبك منها قوله ( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ) وحاصل معنى الشرط والاستدراك ان من شأن من أوتي آيات اللّه تعالى ان ترتقي نفسه ، وترتفع في مراقي الكمال درجته ، لما فيها من الهداية والارشاد والذكرى ، وانما يكون ذلك لمن أخذ هذه الآيات وتلقاها بهذه النية ( وانما لكل امرى ما نوى ) وأما من لم ينو ذلك ولم تتوجه اليه نفسه وانما تلقى الآيات الإلهية اتفاقا بغير قصد ، أو بنية كسب المال والجاه ، ووجد مع ذلك في نفسه ما يصرفه عن الاهتداء بها فلن يستفيد منها ، واسرع به أن ينسلخ منها ، فهو يقول لو شئنا لرفعناه بها لأنها في نفسها هدى ونور ، ولكن تعارض المقتضي والمانع وهو إخلاده إلى الأرض واتباع هواه قالوا فلان عالم فاضل * فأكرموه مثلما يقتضي فقلت لما لم يكن عاملا * تعارض المانع والمقتضي ( فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) اللهث بالفتح واللهاث بالضم التنفس الشديد مع اخراج اللسان ، ويكون لغير الكلب من شدة التعب والاعياء أو العطش ، واما الكلب فيلهث في كل حال سواء أصابه ذلك أم لا ، وسواء حملت عليه تهدده بالضرب أم تركته وادعا آمنا ، وهذا الرجل صفته كصفة الكلب في حالته هذه وهي أخس أحواله وأقبحها ، والمراد واللّه أعلم انه كان من إخلاده إلى الأرض واتباع هواه في أسوإ حال ، خلافا لما كان يبغي من نعمة العيش وراحة البال ، فهو في هم دائم مما شأنه أن يهتم به ، وما شأنه أن لا يهتم به من صغائر الأمور وخسائس الشهوات ، كدأب عباد الأهواء